• محمد حداد

كيتارو في رؤية تنبض بالحب


بقلم: محمد حداد


ولد كيتارو في فبراير عام 1953 بمدينة ماسانوري تاكاهاشي، في تويوهاشي، باليابان. قضى طفولة مليئة بالتأمل حيث الحقول والطبيعة الساحرة التي تجعل السكينة هي صفة كل من ينشأ هناك. بعد أن أنهى دراسته الثانوية انصرف إلى موسيقى (نيو ورلد) أو كما يقول البعض: موسيقى العصر الجديد! وكان شغوفاً بآلة (الساينتيسايزر)، هذه الآلة الالكترونية ذات الأصوات الحالمة والتي رافقته طوال مشواره الموسيقي، وبدأ عشقه لهذه الآلة أثناء جولة قام فيها بزيارة مجموعة من الدول الآسيوية، وبشكل خاص الهند وأقاصي موطنه الياباني.


من أول إصداراته (سماوات/ Tenkal) وهذا العمل الموسيقي عبارة عن متتالية لآلة الساينتيسايزر، حيث قامت بإنتاجه (هيئة الإذاعة اليابانية) وهي نفس الشركة التي كلفت كيتارو بتأليف الموسيقى التصويرية للبرنامج الوثائقي الطويل الذي يسرد المشاريع الثقافية في العالم (طريق الحرير/Silk Road )، وتعتبر هذه الموسيقى من أكثر الأعمال التي تميز التأليف الموسيقي في اليابان. من خلال إقامته في ولاية ناجانو في وسط اليابان، استطاع كيتارو أن يواصل عمله في بيئة محيطة بالتأمل والصفاء الداخلي، مما جعل هذا الجو ينعكس على موسيقاه التي تنهل من هذه البيئة بشكل واضح. خلال فترة الثمانينات كانت مؤلفات كيتارو توزع في الغرب بواسطة شركة بوليدور و كوكوك (لاين). وفي عام 1986 وقع كيتارو عقداً ضخماً مع شركة جيفين للتسجيلات الصوتية، حيث بهذا العقد أكد مكانته الموسيقية كواحد من أهم فناني (العصر الجديد) العالميين.


حلم كيتارو يستعصي على التحقيق


كتب (لويس جري) في سبتمبر 1992 عن ألبوم "حلم" الذي أصدره كيتارو في نفس العام قائلاً: ((تتدفق الإصدارات الموسيقية من قبل المؤلف الياباني سيد الساينتيسايزر.. كيتارو. ألبوم (حلم) هو الألبوم الموسيقي الثالث عشر لمؤسسة جيفين، وهناك على الأقل ثلاثون ألبوماً موسيقياً آخراً يعومون بين العلامات المميزة لمؤسسات وشركات تسجيل أخرى. وكلمة العوم في الحقيقة هي الكلمة المناسبة لوصف حالة الألبومات، حيث تتناسب مع الحالة الحميمة لموسيقى (العصر الجديد) عند مؤلف مثل كيتارو)). ويواصل لويس جري وصفه: ((و ألبوم (حلم) يتميز بالأصوات الناعمة والبراقة، إلى جانب الحضور الكبير لآلة لوحة المفاتيح الملحمية، حيث تصادفنا عناوين مثل "الموجة السحرية"، "قطرة الصمت"، و"مرور الحياة")).

كانت هذه وجهة نظر لويس جري في هذا الألبوم، وأنا شخصياً أوافقه في كل ما قاله، فقط أريد أن أضيف وجهة نظري الشخصية في عمل من أهم أعمال هذا الألبوم بالنسبة لي.


إلى جانب أغنية "سيدة الأحلام" هناك أغنية بعنوان "اتفاقية"، وهذه الأغنية تركت عندي انطباعا غريباً نوعاً ما، فكيتارو (الياباني) كتب كلمات هذه الأغنية باللغة (الإنجليزية) حيث قام بغنائها المغني جون أندرسون- وهذه هي المرة الأولى التي يستعين فيها كيتارو بمغني في ألبوماته الخاصة- بعد أن حددنا ثقافتين، الأولى من شرق آسيا وهي جنسية المؤلف و الأخرى هي لغة الأغنية، عندها نذهب إلى الآلات المستخدمة في تنفيذ هذه الاتفاقية الغنائية، نرى أن أصولها متنوعة بشكل مقصود وذكي، فتبدأ الأغنية بصوت الطبلة (الهندية) وهي تعزف إيقاعاً متأرجحاً بين أحد الضروب الهندية وإيقاع (الحساوي) المستخدم عندنا في الخليج العربي، وهو ضرب من الضروب الإيقاعية المشهورة في الفنون البحرية (لفجري)، بعد هذا المزيج الراقص من الإيقاع يدخل صوت السيتار (الهندي) يليه الجيتار الإلكتروني القادم من (أوروبا وأمريكا)، وذروة هذا التدفق اللحني تكون عند دخول آلة (Pan Flute) المستخدمة في (أمريكا الجنوبية)، بالإضافة إلى الطبول (اليابانية) التي لا يستغني عنها أبداً في تنفيذ موسيقاه مصحوبة بالوتريات المحايدة. فإذا تأملنا كل هذا النسق المقصود من التنوع الموسيقي: طبلة هندية، إيقاع بحري خليجي (مع احتمالية انه لم يكن يقصد ذلك)، سيتار هندي، جيتار الكتروني أوروبي، الفلوت الجنوب أمريكي، الطبل الياباني، مع حياد الوتريات وكأنه يطلب منها (عدم الانحياز) كي يضفي عليها شخصية جغرافية أخرى، كل هذه الصور تخدم موضوع الاتفاقية، فكل هذه الآلات تتوالى في الإفصاح عن نفسها في لحن راقص يؤكده دخول جون أندرسون بهذه الكلمات التي تقول:


ننظر إلى العالم من خلال نافذة حياتنا

هل نستطيع رؤية كل شيء؟

فبعد الحقيقة عن فهمنا الصحيح

يجعلنا نرغب بالمزيد

يجعلنا غير قادرين على الرؤية

النار تجعلني واضحاً

تطيرني

تغزلني هنا وهناك..


وتنتهي الأغنية بهذه الكلمات:

اتفاقية الثقة.. (تحت قوة الحب)

اتفاقية الإيمان.. (تحت قوة الحب)

اتفاقية الحقيقة.. (تحت قوة الحب)

اتفاقية الحب.. (تحت قوة الحب)

اتفاقية الحرية.. (تحت قوة الحب)

اتفاقية لكي تظل حراً.. (تحت قوة الحب)


وبهذا ينجح المؤلف الموسيقي بكلماته وألحانه وبأداء جون أندرسون المميز بمصاحبة الآلات التي استدعاها من ثقافات العالم كله، كي يتفقوا معاً في صياغة هذا اللحن الإنساني الذي يلخص الأمنية الأزلية لشخص الإنسان عموماً والفنان خصوصاً.. هو الحب.

RSS Feed
البحث بالتصنيف
كتبت أيضاً..
ما ذهب في الذاكرة..

© copyright   2012 - 2020

mohammedhaddad.com