• محمد حداد

برلين .. إعبر زجاجها وستصغي اليك


بقلم: محمد حداد


في برلين يأخذك الصمت الى الإصغاء.. تأخذك الموسيقى الى تاريخها، ففي هذه المدينة العتيقة التي عاشت ما يكفي من الحروب، لم تتنازل عن شاعريتها المزمنة، شعب بالغ في عزلته حتى نسي الكلام، فانتهج الحب الصامت، فهناك ما إن تجلس في محطة الباص حتى ينتابك شعور بأنك لست هنا، وأن لا أحد يراك سوى الله لفرط الصمت، لككن ما إن تبدأ في سؤال أحدهم عن مكان بيع الآلات الموسيقية في الشارع الآخر، حتى تراه يترك طفلتيه عند أمهم ويذهب معك ماشياً كي يدلك عليه، ويسرد لك في الطريق قصة لقاءه الأول بزوجته وكأنك تهتم بما يقول، ثم بعد وصولكما للمكان، لا ينسى أن يقترح عليك حانة قريبة كي ترتاح فيها، ويذهب.


يصغون لك وأنت في العزف فتشعر بأنك لم تعزف هكذا من قبل!

في ديوان شرق غرب حيث شاركت قاسم حداد وهو يستيقظ من ساحرته برفقة قراءات الصديق الألماني الرائع غونتر أورت للنصوص الألمانية من كتاب حداد، كان المكان أشبه بالغرفة المليئة بالحب والسحر، حيث التقيت هناك بأشخاص لا يعرفون لغتي، لكنهم يصغون لنغمات البيانو وكأنها الشعر، يفسرون اللحن وإيقاعه، يسألونك أن تعزف أكثر كي يذهبون في الرمز المطلق، يحتضنون الكتاب العربي وكأنه العهد القديم.


برلين نبذة عن الكوكب.. طفلة، عجوز، ومكتبة.. ورصيف يحمل خيوط السفر وإبرة الغياب، والأسئلة تتناثر في الكنائس ومحلات (الدونر). برلين شارع كبير، فالأعراق تفرض حبها على المكان، وتخرج الشوارع من صمتها القديم، وعزلتها الرصاصية. موسيقى العالم تصدح في كل المنعطفات، رائحة الكاري، والبيستو، والهالابينو تدلك الى أي الطرق تذهب.


مدينة من دون جدار.. نوافذها البحر وتكره الستائر، تذهب الى الفضح المبين واثقة أنها على صواب، تحتفي بالثقافة والفنون طوال العام، وتنهال عليك بالكرنفالات الصغيرة، حين تحيل الكنائس الى أماكن تحتض الموسيقيين، وتذهب بالمقاهي الى الندوات والأمسيات الشعرية، وسوق الأحد لا ينتظر المتأخرين، فإن حضرت مبكراً، سترى التاريخ على ضفتيك وأنت تمشي على مهل.


برلين.. دب صغير في حديقة كبيرة.

RSS Feed
البحث بالتصنيف
كتبت أيضاً..
ما ذهب في الذاكرة..

© copyright   2012 - 2020

mohammedhaddad.com