RSS Feed

يذهبون الى الصورة... ويغفلون عن الصوت


بقلم: محمد حداد


بعد انتهاء مهرجان الريف الثاني للأفلام القصيرة، وتدفق الأفكار اليافعة طوال الأسبوع الماضي عبر شاشة الصالة الثقافية، وبعد إنتهاء هذه التظاهرة التي بدأت تنعش الحركة الشبابية في الإتجاه نحو الفيلم القصير. تأملت عن كثب كيفية التعامل مع الموسيقى في مجموعة كبيرة من الأفلام المشاركة في هذا المهرجان، والتي صادفتها في أكثر من فعالية مختصة في الفيلم الروائي أو الوثائقي القصير، كمهرجان مسرح الصواري أو في برنامج ستوديو ماستر الذي تسنى لي أن أكون قريباً من الأفلام المشاركة فيه خلال التصفيات النهائية للبرنامج.


ينصرف المخرجون الشباب للعمل على أفلامهم القصيرة بحب وولع، بما يملكونه من رؤى فنية وأدوات تقنية، تسعفهم على التعبير عن همومهم وأمنياتهم في هذا الكون الساخر. يحصنون تجاربهم بطاقم شغوف بالعمل المتخصص، بدءً بكتابة السيناريو والتمثيل، ومروراً بالعمل على الصوت، الإضاءة، الجرافيكس، المكياج، التصوير، المونتاج، و إدارة الإنتاج، وغيرها من التخصصات الدقيقة في صناعة الفيلم القصير، لكنهم ينسون دائماً الإلتفات للموسيقى، وهي عنصر لا يقل أهمية في العمل الدرامي أو الوثائقي عن كل ما سبق !! وتظهر ملامح الإهمال للعنصر الموسيقي في اعتقادي في أكثر من مرحلة، سأحاول أن أسرد بعضها.


أولاً: المخرج أحياناً لا يضع الموسيقى في خطته المكتوبة قبل بدء التصوير، وبذلك هو لا يترك لها مساحتها التي من المفترض أن تجعلها مؤثرة في النسق الدرامي أو السردي، فالموسيقى (سواء كانت مؤلفة خصيصاً للفيلم أو منتقاة من أعمال سابقة) لا بد وأن يكون لها مكاناً واضحاً ومؤثراً في هيكل المشهد الأولي، وليس فقط لسد فراغ من الصمت، أو لإنقاذ ضعف في الأداء التمثيلي، أو لرفع من مستوى الإخراج في المشاهد الضعيفة في الفيلم، فهذه الأمور ليست في أجندة المؤلف الموسيقي وهو يكتب موسيقاه، أو المشرف الموسيقي (وهو ينتقي الموسيقى للمشهد)، ربما يصادف أن تفعل الموسيقى كل ما سبق من إنقاذ الفيلم من عناصره الضعيفة، لكن ليست هذه وظيفتها الأساسية.


ثانياً: لا يوجد رؤية واضحة عند بعض المخرجين الشباب في اختيار الموسيقى المناسبة، ففي بعض الأفلام التي صادفتها في هذا المهرجان، كانت هناك أفلاماً تحوي موسيقى لا ترتبط بمضمون المشهد، وهذا دليل على عشوائية الإختيار، والإستهتار بأهمية الموسيقى، أو ربما عدم إدراك المخرج بأنه يشوه عمله الفني باختياره موسيقى (جميلة) ولكن ليست مناسبة للمشهد.


ثالثاً: ليس هناك إحترام للصمت.. ففي الصمت توجد موسيقى أقوى بكثير من النغمات، و المخرج الجريء وحده الذي يقدر على الدخول في هذه المعادلة في فيلمه القصير (والطويل أيضاً)، فلابد من إعطاء الصمت فرصة المشاركة في التأثير على المتلقي، وإيصال الحالة النفسية من خلال السكون في المشهد، فقد صادفت في بعض التجارب الفيلمية أن الموسيقى لا تتوقف أبداً من بداية الفيلم وحتى نهايته، وهذا في حد ذاته ليس عيباً إذا كان مبرراً، أو منسجماً مع موضوع الفيلم (الصامت مثلاً)، فهناك أحياناً ما يبرر للموسيقى المتواصلة مكانها في الفيلم الصامت، لكي تعبر عما تقوله الكلمات الغائبة على سبيل المثال، لكن ليس دائماً، و في اعتقادي الخاص جداً، أن الفيلم مادام يحوي حواراً مكتوباً، أو حتى سرداً كما في الوثائقيات، لابد أن تترك مساحة للصمت، والإستعانة بالمؤثرات الصوتية الأخرى غير الموسيقى، عندها سيكون دخول الموسيقى له طعم مميز ومؤثر بعد فترة صمت كافية.


رابعاً: ليس هناك تناسق موحد في الموسيقى المنتقاة للفيلم، فترى في الفيلم الواحد مشهداً يحوي موسيقى للعود، وآخر يحوي موسيقى مكتوبة لفرقة تعزف الموسيقى اللاتينية أو الجاز، دون أن يكون هذا التباين الكبير موجوداً في المشاهد المصورة للفيلم. وبعض الأفلام نجد فيها أكثر من مقطوعة موسيقية للمشهد الواحد!! وهذا يعتبر قمة التخبط، فالموسيقى هنا تفصل المشاهد عن الحالة الواحدة للفعل الدرامي، أو السردي.


وأخيراً: الإهتمام بالحقوق المهدورة للمؤلف الموسيقي الذي استخدمت موسيقاه في الفيلم، وهذا هو أقل شيء ممكن فعله لكي يثبت المخرج أنه يحترم عناصر فيلمه جميعها دون أن ينحاز لأحد، فكثير من الأفلام التي شاهدتها في مهرجان الريف (مع أنني لم أشاهد كل الأفلام المشاركة) كانت تغفل عن ذكر إسم المؤلف الموسيقي الذي أستخدمت موسيقاه. ربما هذا سيمر هنا في هذا الوطن دون مشاكل، لكن لو تسنى لأي فيلم أن يشارك في مهرجان دولي خارج الوطن، سيضطر المخرج بأن يتصل بالمؤلف الموسيقي أينما كان، ليأخذ منه موافقه خطية على قبوله استخدام موسيقاه في الفيلم. عندها سيعرف المخرجون كيف أن الموسيقى ستكون سيدة الموقف، فإما أن تذهب لها وأنت مسلح بالحب، أو تذهب هي عنك غير عابئة بفيلمك المرشح للنجاح.


معجب جداً بكل هذه الطاقات المتفجرة من شباب لا يكف عن الحلم، وأتمنى أن يصل المهرجان الى أكثر من أسبوع باستقطاب تجارب خارجية أكثر، وما قيل في الموسيقى لا يمس بقية عناصر التجربة التي ربما يستطيع الكلام عنها أشخاص أكثر خبرة مني.

البحث بالتصنيف
كتبت أيضاً..
ما ذهب في الذاكرة..

© copyright   2012 - 2020

mohammedhaddad.com