RSS Feed

عشر دقائق قادرة على رسم ثقافة بأكملها


بقلم : محمد حداد


وأنا اتجول بين صفحات الواشنطن بوست دوت كوم، صادفت موضوعاً يتناول تقدير الموسيقى في أميركا.. فقد تم العمل على مشروع عام ٢٠٠٧ مع عازف الكمان المتألق جوشوا بيل الذي يعتبر من أهم عازفي الكمان في هذه الفترة وقد حاز على الكثير من الجوائز الدولية والمهمة في الموسيقى، ويشغل حالياً عدة مناصب منها بروفيسور زائر في أكاديمية الموسيقى الملكية في لندن، الى جانب انه الشريك الفني لأوركسترا سان بول لموسيقى الحجرة.. فنان متميز و مع انه مازال في منتصف الأربعين من عمره إلا أن سيرته الفنية زاخرة بكثير من الأعمال المشرفة والمؤثرة في تاريخ العزف على آلة الكمان، فمن أعماله التي شارك بالعزف فيها و الخاصة بالسينما موسيقى فيلم أيريس التي كتبها جيمس هورنر صاحب موسيقى فيلم قناع زورو و تايتنيك، وعزف أيضاً في فيلم (الكمان الأحمر) الذي قام بتأليف موسيقاه المؤلف جون كوريجليانو، حيث قام بيل في هذا الفيلم بعزف جميع المراحل والمدارس الموسيقية التي مر بها الكمان الأحمر (حسب الفيلم) وهي فترة أربع مئة سنة، وهذا في حد ذاته تميز واحتراف في تقمص اكثر من أسلوب في العزف ناهيك عن الحالة النفسية لأبطال الفيلم الذين قاموا بتمثيل أدوار العازفين.


أما بالنسبة للمشروع الذي تم اقتراحه بشكل عفوي من قبل العازف بيل نفسه من الواشنطن بوست هو أن يقوم بالعزف في إحدى محطات الميترو التي تعتبر ملتقى لخطوط رحلات كثيرة في واشنطن، ويكون متخفياً في ثياب عادية ولابساً قبعة بيسبول لفريق نيويورك لمدة 45 دقيقة يوم جمعة عند السابعة وخمسين دقيقة، وهو وقت ذروة الزحام في هذه المنطقة.. حيث يتم رصد حركة المارة بكاميرا فيديو تقوم بتسجيل حي لبيل وهو يعزف مثل أي شخص عادي.


ويطرح هذا المشروع بعض الأسئلة هي:

هل يستوقفك العازف؟

هل جودة العزف تؤثر فيك؟

هل تضع له نقوداً بدافع الشفقة أو الإحراج أو التقدير؟

ماذا لو كان العازف سيئاً؟

ماذا لو كان العازف مبدعاً بحق؟


بين جدية هذه الأسئلة نلمس الشفافية في رصد ذوق المتلقي للموسيقى في فترة حرجة مثل فترة ذهابه للعمل أو للمدرسة، وبما أن العازف قد قام بأداء أعمال ليست تجارية، بل تعتبر من أهم الأعمال التي كتبت لآلة الكمان المنفرد ابتداءاً من باخ وحتى شوبرت. وقد شاهدت بنفسي بعض اللقطات التي تم عرضها في الموقع والتي تبين موقف المارة بين الإستماع ورمي النقود له أو المرور دون اكتراث. جوشوا بيل حصل على 32.17 دولار في فترة 43 دقيقة! وهو فنان يحصل على ما يقارب 100 دولار في الدقيقة.


هذا المشروع يأخذني الى مواقف مماثلة نمر عليها كل يوم دون أن نكترث بها، ففي الفترة الأخير انتشرت ظاهرة العزف في الأحياء بين الأصدقاء (طبعاً كانت منتشرة منذ السبعينيات وتوقفت مع بداية الثمانينيات ثم عادت من النصف الثاني من الثمانينيات وحتى الآن). فقد مرّ الشباب بمراحل عشوائية في البحث عن موضوع موسيقي أو غنائي يتناسب وتوجهاتهم السياسة والإجتماعية وحتى الأخلاقية، لكن في الفترة الأخيرة أصبح عند الشباب حس عالٍ جداً يساعدهم على انتقاء الأعمال التي يعزفونها، الى جانب اخلاصهم في تدريب أنفسهم (حيث أنهم غير قادرين على دفع تكاليف دراسة الموسيقى)، فقد صادفت مجموعة من الشباب يقومون بعزف مقطوعات من أصعب ماكتب لآلة الجيتار.


ففي السابق كان الشباب يذهبون لعزف الأغاني الإسبانية لفرق مثل Gypsy Kings التي تقدم أعمالاً تعتبر مزيج بين الفلكلور البسيط و أغاني البوب الشبابية، حيث تصبح آلة الجيتار فقط مرافقة للغناء، لكن الآن يعكف الشباب على عزف مقطوعات موسيقية من تأليف فيسنت أميجو، توماتيتو، وباكو دي لوسيا، وهذه أسماء تتربع على قائمة المحترفين في إسبانيا والعالم، أسماء متخصصة في كتابة موسيقى الفلامينكو برؤية معاصرة وممزوجة أحياناً بفنون أكثر صعوبة مثل الجاز، والموسيقى اللاتينية.


الجميل أن شبابنا يحاول عزف هذه الأعمال (بل ينجح في اعتقادي الخاص) بشكل يثير الإعجاب خصوصاً انهم لم يتدربوا على يد أي من الأساتذة!! بل فقط من خلال الإستماع للأعمال وأحيانا بمشاهدة بعض أشرطة الفيديو (أو يوتيوب حالياً)، وأنا متأكد أن كثير منا صادف مجموعة من الشباب وهم يعزفون على الطرقات ولكنه لم يصغ لهم، فمن الممكن أن يكون من بينهم مواهب قادرة على تدريس الجيتار، بل ليس الجيتار وحدة، فأنا تربطني صداقة قوية مع شخص يشرفني حقاً أنني اشتغلت معه، قام بتعلم مقطوعات صعبة للبيانو من خلال يوتيوب بنفسه، منها أعمال لموسيقى أفلام ومنها عمل عبارة عن رقصة تانجو للمؤلف الإرجنتيني أستور بياتسولا.


كيف لنا أن نصغي لهؤلاء الشباب؟

كيف لنا أن نقول لهم بأنهم قادرين على أن يرفعوا إسمنا عالياً لو صعدوا خشبة أي مسرح؟

كيف لنا أن نعتذر لهم عن كوننا لا نعلم بوجودهم؟


ففي الوقت الذي يسعى فيه المتخصصون الى رفع مستوى احترام وتذوق الموسيقى حتى في محطات الميترو، التي لا يقضي فيها الشخص سوى 10 دقائق، ماذا في مقدورنا أن نفعل؟ ونحن الذين لا نملك محطات مترو!!!!

البحث بالتصنيف
كتبت أيضاً..
ما ذهب في الذاكرة..

© copyright   2012 - 2020

mohammedhaddad.com