• محمد حداد

تفرش ندرتها بين آذاننا، وتدّعي أنه الصوت



بقلم : محمد حداد


كانت مسافرة على النغمة الأولى عبر قطار الشرق ضمن ثلاثي (يوري هوننج)، حيث التقيت بصوتها في محل للأقراص المدمجة في مدينة دوسلدورف بألمانيا، فلم أتردد في اقتناء هذا الإصدار المختلف، حيث استمعت لمجموعة من الأعمال التراثية برؤية معاصرة فيها قليل من الجرأة وكثير من الجاز، مما أضفى على التجربة طعماً يشبه ثلج أوروبا ممزوجاً بقهوة الفيشاوي، حيث تغنت بأغنيات عربية مثل (إمتى حتعرف) و (مادام تحب بتنكر ليه!) ولم تنس أن تغني أغنية (إسوبيل) للفنانة الأيسلدية بيورك التي فاجأتني أنها أدرجتها ضمن هذا الكرنفال الموسيقي المختلف.


ثم التقيت بصوتها صدفة في الالبوم الموسيقي (والعكس صحيح) للمؤلف وعازف العود اللبناني شربل روحانا، حيث اقتسمت ريما مع تانيا صالح الأغنيتين الوحيدتين في الألبوم المنقوش بموسيقى العرب، مما يترك انطباعاً أن شربل استعان بهما لكي يقول لنا أنه لن يترك الموسيقى ويذهب الى الأغنية إلا اذا كان الصوت بهذا الاحتراف. فغنت ريما (لأني أغني) هذه الأغنية التي تفنن فيها شربل بتوزيع متغير ومتعدد الإيقاعات، مما يجعلك تلهث مع لهاث الحب الذي اقترحه نزار الهندي بكلمات قريبة من الروح وتتوسط بين الدمع والجسد، فتكتشف معه أنه لا مفر لك من الغناء، فهو يحيط بكل تفاصيلك، وتتجلى خشيش بصوت في منتهى القوة والثقة، حيث استطاعت ان تنسيني للحظات أن أتنفس وأنا استمع للأغنية للمرة الأولى!


ريما خشيش.. صوت يوقظ الملاك

تبدأ صغيرة في بيت مليء بالنغم، تتنقل بين أرجاءه على نغمات القانون، فتهيم سابحة مع ما تبقى من الحان القصبجي، و تتهجى صعوبة أدوار الشيخ زكريا أحمد، وتستريح بين طقاقيق سيد درويش، مما جعلها مشحونة بكل ما هو أصيل قبل أن تتخطى عتبات بيتها الموسيقي، و عندما تجرأت في الدخول مع المايسترو سليم سحاب، ذهبت بثقة المحارب وهي تعلم بأنها جديرة بمكان كهذا، وهو جدير بصوت مثل صوتها. لن نتكلم عن بداياتها لكن سأبوح لكم بالنهايات التي أوصلني اليها صوتها (القطيفة). ففي مركز الشيخ ابراهيم دخلت مسرعاً وأنا ممسك بيد ملاك ترك جنته ليحضر معي هذه الأمسية، فوجدت حشداً من الناطرين ينظرون الى آلة الكونترباص متكأة على كرسي فوق خشبة المسرح بالقرب من مايكرفون وحيد وقلق.. فعرفت أنني وصلت في الوقت المناسب، وعندما لم أجد مكانا في الأسفل اتجهت للصعود الى الطابق الأعلى من القاعة لربما أجد مكاناً يسعني مع الملاك، فصادفت إصدارها الجديد (يالللّي) معروضاً للبيع، فتأكدت للمرة الثانية أنني وصلت في الوقت المناسب.


بعد أنتهاء كلمة الأستاذ حسن الكمال بصوته الحنون الذي أصبح لوناً مهماً من ألوان هذا المركز الثقافي، تدخل ريما خشيش بكل ماتحوي من خجل مع عازف الكونترباص الهولندي توني أوفرواتر لتنثر في طريقها الى الخشبة توتراً بيننا لما أخبرنا به حسن كمال قبل قليل بأن صوتها يشكو قليلاً بسبب مرض طفيف. فتتجرأ ريما في البدء بأغنية لأم كلثوم تغنيها وحيدة بدون مصاحبة موسيقية، لتقول لنا أنني قادرة على إبهاركم رغم المرض، وحقاً فقد كان أداؤها مبهراً وخصوصاً أنها تغني بدون موسيقى، وبعد هذه الأغنية فتحت لنا شرفة لتطل من خلالها على ما تبقى من أصالة الموشحات التي لحنها المبدع فؤاد عبد المجيد، الذي تهت في البحث عن عمله الشبيه بهذه الأعمال، حيث اشترك مع الفنانة عفاف راضي وبتوزيع المايسترو مصطفى ناجي في إصدار ألبوم موشحات من تلحينه، بحثت عنه لمدة سبع سنوات ولم أحصل عليه.


وقد غنت خشيش أعمال عبد المجيد بطريقة ذكية جداً، فأداؤها جاء مناسباً بشكل غريب، وألحانه مصاغة لصوت لا يقل عن صوتها المخملي، فيما حاول العازف توني أن يرتجل بعض التقاسيم قبل بعض الموشحات كي يعبّد لها الطريق، لكن ريما كانت تعرف طريقها عن ظهر نغمة، الى جانب أنه في بعض الأحيان كان يتوه بين نغماتنا ونغمات ذاكرته، فيخلق لنا نغماً جديداً لم أعرف له تصنيفاً حتى الآن، لكن أعجبني الكونتربوينت الذي قام بأدائه في موشح (لاهٍ تياه) حيث استطاع أن يتلمّس الضرب الخاص بإيقاع السماعي وهو 8 / 10 وهو ضرب من الضروب الصعبة نسبياً، فهو أيقاع مركب، لكنه استطاع ان يقرأه برؤية غربية أضافت للضرب طعماً لذيذاً أطربني ويدل على ذكاء التوزيع.


لم تنس ريما أن تمر على أسياد الغناء من جبال الصوان، فغنت فيروز وصباح ووديع الصافي كنوع من التحية الخجولة لهذه الأصوات التي تربت عليها، لكنني أعرف بأن الجيل القادم سيغني ريما خشيش كسيدة ذات جبل صوان خاص به، فهي صوت يأجج الحب في أعيننا والحمى في أيدينا، تتقن صياغة التاريخ الغنائي برؤية معاصرة، تغني الكلثوميات دون أن تشبه أحداً، تأخذنا للأدوار بصعوبتها وكأنها قادمة من هناك، شيطانة وهي تعرف كيف تغني (كان الشيطان) لسيد درويش، يتعب صوتها ولا تتعب جمرته، ينتهي الحفل فلا ترأف بنا، تتركنا مأخوذين بصوتها وهي تأخذ بحرين من بحار أحزاننا تاركة أكثر البحار وحشة.. وتذهب.

RSS Feed
البحث بالتصنيف
كتبت أيضاً..
ما ذهب في الذاكرة..

© copyright   2012 - 2020

mohammedhaddad.com