• محمد حداد

داريو ماريانيللي : محاولة للتكفير بالقربان الموسيقي



بقلم : محمد حداد


استطاع فيلم تكفير للمخرج المتميز (جو رايت) ان يلفت أنظار كثير من النقاد والجمهور في ذات الوقت، وقد إستعان في هذا الفيلم بنفس فريق العمل الذي شاركه نجاح فيلمه السابق فخر وإعتزاز، حيث تألقت كيرا نايتلي في تجسيد شخصية اليزابيث بينيت التي رسمتها الكاتبة جين أوستن بألوان تشبه ألوان شخصيتها. أما في فيلم تكفير الذي رشح لاثنتي عشر جائزة (ومنها جائزة أفضل موسيقى) في مهرجان (بفتا) البريطاني، ثم حصل على جائزة الأوسكار لأفضل موسيقى، وترشح لكثير من الجوائز الأخرى.. يسرد لنا المخرج رؤيا الكاتب الروائي الإنجليزي (إيان ماك إيوان) كما اقترح صورتها السينمائية (كريستوفر هامبتون).


الموسيقى.. قنديلي إلى الفيلم

وكعادتي فقد أهداني أحد الأصدقاء (الشغوفين بالسينما) موسيقى فيلم تكفير التي كتبها الفنان (داريو ماريانيللي)، والذي سمعنا موسيقاه تتجول بين تفاصيل أحداث فيلم فخر وإعتزاز. وصادف (كما دائماً) أنني استمعت الى موسيقى الفيلم قبل أن أشاهده، وهذا يمثل بالنسبة لي نشوة مختلفة، حيث بها أستطيع أن أرسم بطريقتي الخاصة أحداث الفيلم وانفعالات الشخصيات، دون أن أكون متأثراً بوجهة نظر المخرج بشكل مباشر، فقط استمد الحالة من عنوان المقطوعة الموسيقية، واستشف إمكانيات ورؤى المؤلف الموسيقي في صياغة الغضب، الخوف، الحب والألم. وإذا تلبستني موسيقى الفيلم، عندها فقط أذهب لمشاهدته، أحياناً يخذلني الفيلم، وأحياناً أجده يليق بالموسيقى الرائعة التي كتبها مؤلف موسيقي لا يقل (بالنسبة لي) أهمية عن المخرج السينمائي، فهو يضع رؤياه الدقيقة والتفصيلية لكل شخصيات الفيلم ويهتم بالأحداث والمكان والفترة التي يتناولها الفيلم كاهتمام المخرج تماماً.


لم يتسن لي مشاهدة فيلم تكفير، لكن ما أبهرني في الموسيقى التي كتبها (ماريانيللي) ان بها شحنة من الكآبة وفيها لهاث يشبه الحب وهذا ما يطربني حقاً (الحب القاتم). والمميز وغير المألوف في هذه الموسيقى هو حضور صوت جديد في كثير من المقطوعات الموسيقية وهو صوت (آلة كاتبة)، فقد اختار (ماريانيللي) صوت آلة كاتبة من فترة الثلاثينات تقريباً، وفي اعتقادي انه استخدمها كدلالة عن الفترة التي تناولها الفيلم، حيث أن الفيلم يتكلم عن حب في زمن الحرب في القرن الماضي، فكيف يعبر الشخص عن حبه في تلك الفترة؟


صوت الآلة الكاتبة حاضر بشكل مميز ومبهر، حيث كتب (داريو) لهذه الآلة جملاً وكأنها آلة إيقاعية تعزف دورها في العمل الموسيقي بمشاركة باقي الآلات، وقد حاول أن يظهر جميع الأصوات التي يمكن سماعها من هذه الآلة، كالنقر على الحروف وشد الورق والإنتقال بين السطور عن طريق لف الورقة، ويظهر هذا واضحاً من المقطوعة الأولى التي عنونت باسم (بريوني) إحدى الشخصيات الفيلم والتي تحب الكتابة، وتمثل ولادة مشروع كاتبة! فيأتي دور الآلة الكاتبة كبيراً وفاعلاً بين نغمات العمل، حيث المحاورة بينها وبين الأوركسترا متقنة ومنسجمة مع تلون الإيقاعات المقترحة من قبل المؤلف الموسيقي. ونلمس في هذه المقطوعة أيضاً روح مشابهة للحركة الثانية من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، والتي جاءت على هيئة (سكيتزو) وهي طريقة سريعة ومتقطعة في العزف على الآلات.


ربما ليست مصادفة هذه المحاورة بين روح بيتهوفن وهذه المقطوعة من الفيلم، فالطفلة التي تحب الكتابة نشأت في فترة مقاربة لبيتهوفن، حيث أنهى بيتهوفن عام 1824 هذه السيمفونية التي أبهرت الجميع بتمردها على القوانين الموسيقية، فربما يريد (داريو) أن يصف شخصية (بريوني) بأن أناملها على الآلة الكاتبة شبيهة بأنامل العبقري الألماني! ومن أبرز المتواطئين في هذا العمل الموسيقي، عازف البيانو الفرنسي (جان ييف تيبوداي) الذي شارك ماريانيللي في فيلمه السابق فخر وإعتزاز، فقد كانت أنامله منثورة طوال الوقت وبراشاقة المؤلف، وكأنه هو من كتب موسيقاه، خصوصاً في الحوارية الموسيقية بين البيانو والآلة الكاتبة في مقطوعة (بعيني هاتين)، فنستمع الى تيبوداي دافقاً إحساسه على آلته في مقابل ميكانيكية الآلة الكاتبة، لكن في لحظة معينة، تجد نفسك تستمع الى خامة صوتية جديدة متناسقة وذكية.


أما في مقطوعة رسائل حب فقد وصل التأليف الموسيقي الى ذروة الخصوصية والخصوبة اللحنية حيث يبدأ الكلارنيت بلحن بطيء في نغمة عالية تسنده الوتريات الغليظة، ترسم لحناً فيه عذاب حميم جدير بالعشق، وما إن تنتهي حتى يدخل ثنائي البيانو والتشيللو كي يؤكدان حالة الولع الكامنة فينا جميعاً، وفي الخلف يدخل كمان وحيد، صارخ من بعيد وكأنه الضمير ينهر المخيلة كي تبدأ معاناتها ولا تغفل، حتى تستعر النار في الأوركسترا كلها، فتنهض لكي ترتعش معنا في سيل من النغمات الهائجة، الى ان تجرف كل ذكرياتنا معها وتهدأ، فيعود الكلارنيت ليوقظ التشيللو والبيانو من جديد ولا ينسى كمان الضمير لينهي حالة الولع المرتبك.


في رأيي ان هذه المقطوعة هي من أكثر المقطوعات شجناً ونضوجاً من حيث الإحساس الذي يمثل عنوان الفيلم تكفير، فحالة الحب فيه مختلفة عما نعرفه. ومازلت أنتظر أن اشاهد الفيلم كي تكتمل الصورة عندي، فأهنأ في عذاباتي اليومية، وأبحث عن موسيقى جديدة وصديق يشاركني نفس الألم اللذيذ.

RSS Feed
البحث بالتصنيف
كتبت أيضاً..
ما ذهب في الذاكرة..

© copyright   2012 - 2020

mohammedhaddad.com