• محمد حداد

أستنى إيه… كالقندة في قهوة الروح


بقلم : محمد حداد


سأتجاوز منطقة الكلام عن أنغام فهي جديرة بأن تعبر عن نفسها بهذا الكم الهائل من الأعمال المشرفة، وأنا هنا فقط لأطرح انطباعي الخاص عن أغنية ربما لم تأخذ حقها في ألبومها (بحبك.. وحشتيني)، وهي أغنية (أستنى إيه؟) التي تأخذنا إلى سديم من التعابير الشعرية و اللحنية والأداء الشفاف الذي يمسك الشغاف من عظمها!

فدخول آلة البيانو مع آلة الرق بجملة رشيقة وسريعة، وكأنه يسأل ولكن بخجل، ثم تتبعه الوتريات لتؤكد جملته الافتتاحية والبيانو يعزف اللزمة المصاحبة وكأنه (يقسم) للوتريات بأنه لا يعرف الجواب!! إلى أن تتفق الوتريات معه بأنه لابد أن يوضع حد لهذه التساؤلات والبحث عن جواب واضح.. فيحضر صوت أنغام لكي يفضح كل هذه التساؤلات بسؤالها الاستنكاري (أستنى؟ أستنى إيه؟) وفي صوتها تراكم لصمت طويل، وقناعة بأنه لابد أن تتوقف كل هذه المسرحية التي تسمى حب.. فبعد كلمة (أستنى) تعزف الوتريات تآلف على السلم الصغير والذي يمثل مقام النهاوند وهو المقام الأساسي للأغنية – بطريقة Pizzicato (النقر المتقطع) وكأنها تفسح الطريق لسيل من الكلمات التي لطالما أرهقت أنغام. والبيانو يختبئ وراء كلماتها، فعند قولها (هو إحنا لسه فاضل بينّا حب؟) يعزف البيانو نغمات مترددة ومتباعدة لا نفهم منها إلا أنها تتوافق مع اللحن الرزين والحازم في نفس الوقت الذي تسرده أنغام مما يجعل لكلامها بعداً إنسانياً أكثر شفافية ويعبر عن شخصية أنغام العاشقة في هذا العمل حتى آخر لحظة (وهي لحظة الانفصال). أما الوتريات فعزفت جملة ساخرة بعد جملة (نتكلم عليه!) وكأنها تضحك لمجرد التفكير بأن هناك حب في علاقة مزيفة كهذه.


(نسيت نفسي…..) تعبر هذه الكلمات عن الصدمة التي مرت بها هذه العاشقة الباسلة والوتريات هنا تعزف جملاً تتداخل مع اللحن الأساسي لتضفي تشابكاً معنوياً للصورة، والبيانو ينثر نغماته الحالمة بين حنايا اللحن، لكن ما اعتقده (وهو رأي شخصي) أن تزيين وزخرفة الإيقاع بإدخال (التصفيق) في هذه المنطقة من اللحن كان مربكاً، فأعتقد أن الموزع فهد اهتم فقط بالشكل الجمالي للنسق اللحني في هذه المنطقة من الأغنية مما أثر على النسق الدرامي للقصيدة التي كتبها بكل نعومة الشاعر أمير طعيمة، فالتصفيق هنا فيه صفة البهجة، في الوقت الذي من المفترض أن العاشقة تبوح عن مكنوناتها المؤلمة في هذا المقطع، لكن بالانتقال إلى المقطع الذي تقول فيه (مش انت خلاص كملتها؟) حيث صاغه الملحن خالد عز بكل إخلاص، تتدفق الكلمات على شكل سؤال استنكاري يحوي مشاعر الانكسار الذي استطاعت أنغام وباحتراف أن تؤدي كل انفعال فيه بإتقان مبهر، خصوصاً في كلمة (كملتها؟) التي تحوي ذروة السؤال لحناً وأداءً وتتبعها الوتريات وكأنها تكمل الحالة بجملة لحنية كي تقنع المحبوب والمستمع في نفس الوقت بما تحسه أنغام التي توقف أنفاسنا بأدائها لكلمة (جرحتها؟) وكأنها تنزع سكيناً من جرحها محاولة إقناعه بما فعل هو بها / وأسرنا بما تفعل هي بنا!! هذا الفريق (المفتري) كما يقول المصريون يفعل بنا ما يشاء بهذا الإتقان والمعرفة الشاسعة بما هم ذاهبون إليه.


يدخل الفاصل الموسيقي بآلة الفيولا وهي تعزف اللحن بصوتين على مسافة أوكتاف (مسافة صوتية تساوي 6 تون بالمقياس الموسيقي) وتسمى أيضاً مسافة ثامنة تامة، فنسمع صوت الفيولا بنغمتها الحادة والغليظة معاً مما يضاعف تأثير اللحن الإنفعالي الذي قام بعزفه قوس من أكثر الأقواس حناناً، حيث يقول يحيى المهدي (الذي لون بقوسه كثير من الأغاني) جملته الباكية ويعيدها بشكل فيه نغمات أكثر تفصيلاً للألم، مما يجعل بقية الوتريات تشاركه جملته الثالثة وكأنها تشد من أزره وتحرضه على المواصلة.. التقاء جملة موسيقية مكتوبة بطريقة مؤثرة وعازف متمرس، يؤدي إلى فاصل موسيقي متميز ويظل في الذاكرة حتى بعد انتهاء الأغنية..


(كفاية!) بداية الخروج الفعلي للعاشقة من حالة العتاب المكبوت، بعد التمهيد للتمرد منذ بداية الأغنية بكلمة (أستنى إيه؟)، فالآن لا يوجد ما تنتظره بعد أن سردت له كل التفاصيل التي تبرر لها قول (كفاية.. حبي ليك مش محتجاله) وهي تعرف بأن هناك ألماً كبيراً في تركها له، لكن بوادر النضوج في أخذ القرار بدت واضحة، وفي كلمة (كفاية) نجد نموذجاً واضحاً للنضوج الرافض لكل القيود المتأصلة فينا (خصوصاً في تلك الفترة من الكهف في مصر المحروسة ٢٠٠٦)، وهنا تسرد له بأنه لن يكون هو مستقبلها، وحتى لن يلمس شعرها (مع أنني أشعر بأن هذه الجملة لا تحاكي النضوج الرافض الذي تلبس هذه العاشقة، فنلمس فيها بقايا تلك البنت البسيطة التي سيشتاقها كثيراً بعد الرحيل)، وفي المنطقة الأخيرة من الأغنية يكتمل النضوج حيث تتأكد العاشقة بأن (من النهارده قلبي ملكي، اللي زيك مش عشاني… مش حضيع تاني عمري، إنسى نبقي لبعض تاني) والوتريات بمثابة حصن يغلف كلامها وخصوصاً عند جملة (مش عشاني) توضح الوتريات أن الجملة بمثابة صدمة للحبيب ورعب لروح العاشقة التي تجرأت بعد كل هذا الصمت أن تنطق بكل هذه المشاعر التي صاغتها أنغام بطريقة تتلف الروح..


أنغام عندما تتصدى إلى تجارب مثل هذه وهي كثيرة (لكن ليست كافية) تلبس ثوباً صوتياً يجعل لخامتها ملمس يستعصي على الوصف.. هذه أغنية تستحق الوقوف عندها، ومازال هناك الكثير.

RSS Feed
البحث بالتصنيف
كتبت أيضاً..
ما ذهب في الذاكرة..

© copyright   2012 - 2020

mohammedhaddad.com